ابن ميثم البحراني

53

شرح نهج البلاغة

بَابِ السَّلَامَةِ ودَارِ الإِقَامَةِ - وثَبَتَتْ رِجْلَاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الأَمْنِ والرَّاحَةِ - بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وأَرْضَى رَبَّهُ أقول : هذا الفصل من أجلّ كلام له في وصف السالك المحقّق إلى اللَّه ، وفي كيفيّة سلوكه المحقّق وأفضل أموره فأشار بإحياء عقله إلى صرف همّته في تحصيل الكمالات العقليّة من العلوم والأخلاق وإحياء عقله النظري والعملي بها بعد الرياضة بالزهد والعبادة ، وأشار بإماتة نفسه إلى قهر نفسه الأمّارة بالسوء ، وتطويعها بالعبادة للنفس المطمئنّة بحيث لا يكون لها تصرّف على حدّ طباعها إلَّا بإرسال العقل وباعثه فكانت في حكم الميّت عن الشهوات والميول الطبيعيّة الَّذي لا تصرّف له من نفسه . وقوله : حتّى دقّ جليله . أي حتّى انتهت به إماتته لنفسه الشهويّة إلى أن دقّ جليله ، وكنّى بجليله عن بدنه فإنّه أعظم ما يرى منه ، ولطف غليظه إشارة إلى لطف بدنه أيضا ، ويحتمل أن يشير به إلى لطف قواه النفسانيّة بتلك الرياضة وكسر الشهوة فإنّ إعطاء القوّة الشهويّة مقتضى طباعها من الانهماك في المآكل والمشارب ممّا يثقل البدن ويكدّر الحواسّ ، ولذلك قيل : البطنة تذهب الفطنة وتورث القسوة والغلظة . فإذا قصرت على حدّ العقل لطفت الحواسّ عن قلَّة الأبخرة المتولَّدة عن التملَّؤ بالطعام والشراب ، ولطف بلطف ذلك ما غلظ من جوهر النفس بالهيئات البدنيّة المكتسبة من متابعة النفس الأمّارة بالسوء كلطف المرآة بالصقال حتّى يصير ذلك اللطف مسبّبا لاتّصالها بعالمها واستشراقها بأنوار من الملأ الأعلى . وقوله : وبرق له لا مع كثير البرق . أشار باللامع إلى ما يعرض للسالك عند بلوغ الإرادة بالرياضة به حدّا ما من الخلسات إلى الجناب الأعلى فيظهر له أنوار إلهيّة لذيذة شبيهة بالبرق في سرعة